ابن قيم الجوزية

282

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ ( 54 ) [ الحج ] . فذكر القلب المريض ، وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق ، والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ، ولا تنطبع فيه ، فهذان القلبان شقيّان معذّبان ، ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه ، وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به . قال الكلبي : فتخبت له قلوبهم ، فترقّ للقرآن قلوبهم ، وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ، ووصف المخبتين في قوله : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 ) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 35 ) [ الحج ] . فذكر للمخبتين أربع علامات : وجل قلوبهم عند ذكره ، والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة . وصبرهم على أقداره . وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا . وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم . وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت ، قال ابن عباس : المخبتين : المتواضعين . وقال مجاهد : المطمئنين إلى اللّه . وقال الأخفش : الخاشعين . وقال ابن جرير : الخاضعين . قال الزجاج : اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض ، وكل مخبت متواضع ، فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع للّه . فإن قيل : فإذا كان معناه التواضع والخشوع ، فكيف عدّي بإلى في قوله : وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ( 23 ) [ هود ] قيل : ضمّن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا ، وهذه عبارات السلف في هذا الموضع ، والمقصود أنّ القلب المخبت ضد القاسي